العرض في الرئيسةفضاء حر

صنعاء الحاضر هي قبلة أحرار اليمن

يمنات

د. عبدالعزيز بن حبتور

جمعتني الصدفة المتكررة في أماسي ليالي شهر رمضان الفضيل وإجازة أيام  عيد الفطر المبارك بجلسات عديدةٍ ومطولةٍ مع شخصيات يمنية من كل محافظات اليمن تقريباً ، لكن ما أسترعى إهتمامي ، هو الحشد الكبير من الكوادر والقيادات المؤهلة والعاملة بالجهاز الحكومي للدولة  من المحافظات الجنوبية والشرقية من عدن ولحج / تبن وحضرموت ويافع وشبوه والضالع وردفان وأبين وسقطرى والصبيحه ، كنت مبهوراً وفرحاً في آن واحد ، في إننا نجتمع بود وحبٍ وشوق  في مدينة صنعاء ، مدينة كل اليمنيين بحق وحقيق وليس من باب الدعاية الإعلامية الممجوجة.

صنعاء وانت تعيش وتسكن بها وتتجول في أحيائها وأسواقها وكل مفاصلها ، تذكرك وتحسسك بانك جزءً أصيلاً من تكوينها الديمُغرافي ، وأنك مكوّن أساسي من ثقافتها وهويتها ، ومُرحباً بك بين أهلها ، الم تستوعب هذه المدينة العامرة الرعيل الاول ( من النازحين قسراً ) من المحافظات الجنوبية في منتصف ستينات القرن المنصرم ، هِي كغيرها من مدن وحواضر اليمن كمدينة تعز ، والبيضاء ، ومأرب وقعطبه والحديدة وذمار ورداع وغيرها من المدن اليمنية ، يذكرني أعمامي ( محمد ، وأحمد ، وناصر ، وعبدالمجيد ، وفريد ، وهشام  ٠٠٠٠٠٠الخ) والقائمة طويلة بطبيعة الحال بأنهم وصلوا الى صنعاء ذات يوم من تاريخنا الأسود المضطرب ، هاربون من مدنهم وقراهم ومناطقهم ، ورحبت بهم صنعاء برحابة صدرها ، وأصالة أهلها ، وطيبة تربتها ، ونَفَسها الروحاني الأخلاقي الموغل في عمق التاريخ للإرض اليمنية ، وحدثوني كثيراً والبعض منهم قد بلغ خريف العمر ، عن ما يحملونه في ذاكرتهم المتقدة ، من ذكريات رائعة من رحلة معايشاتهم ، لجيرانهم من أهل صنعاء وأخلاقهم الودودة والصادقة ، لم ينسوا قسوة الدهر وظلم الأصحاب عليهم وهم يغادرون فرادى وجماعات من مواطنهم الاولى التي غادروها مُكرهين بسبب مواقفهم السياسية ليس إلا ، نعم صنعاء ليست حاملة لتراث وثقافة اليمن الأصيل فحسب ، بل انها روح حية متجددة أحتضنت وتحتضن على مدار تاريخها القديم والحديث كل أهل اليمن من كل المناطق والقبائل كأم رؤوم حنون في مسيرتها الخالدة ، قدمت  لهم الأمن والأمان والحياة الكريمة ، وهنا لن نفي مدينة سام ابن نوح / مدينة  آزال – حقها في التعبير ، مهما دبجت أحرفنا وكتاباتنا في سرد مخزونها القيمي والأخلاقي وأصالتها لانها ببساطة ، ستكون كتابة لا حدود لها عبر الزمان السرمدي ،  عن سيرورة تأريخ عمر الانسان مُنذ ان بدء العيش في هذه المعمورة.

اما الجاحدين الناكرين لها ولفضلها من بعض اليمنيين ، فهم ليسو إلا من فئة شاذة ناكرة لكل عطاء وفضل جزيل ، ومثلهم مثل من ينكر فضل العلماء والانبياء والرسل والصالحين على الأمم والشعوب ، حتى ان البعض من هؤلاء البشر هم من يتنكر لفضل الله عز وجل على عباده ، قال الله في محكم كتابه الكريم   :  ( إِنَّ اللّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ ) “سورة البقرة – أية243 ”  صدق الله العظيم .

في هذه الحرب العدوانية من قبل ( أشقائنا) المفروضة على شعبنا ووطننا اليمني المُسالم ، تجلت صور وحكايات وأساطير انسانية عظيمة سطرها اليمانيون في معنى التعاون والتضامن الإنساني بين الأسر اليمنية من مُختلف المناطق والمحافظات في كل شبر من ارضنا الطيبه ، لكن صنعاء كانت الإستثناء في ذلك العطاء السخي، إذ سطرت أعظم المآثر الخالدة على الصعيد الإنساني،  فلها من كل أحرار اليمن، ومن اليمنيين الجنوبيين تحديداً الشكر والتقدير والعرفان.

كُنت أتابع بعض كتابات المأجورين والمُرتزقة الذين خدموا ويخدمون قوات العدوان والاحتلال، وهم يروّجون  لمقولة ان (القادة العسكريين والمدنيين الجنوبيين) غادروا مدينة عدن الى العاصمة صنعاء مُكرهين لإستلام رواتبهم فحسب، لكن هؤلاء المُرتزقة نسوا او تناسوا ان الأحرار اليمنيين في المحافظات الجنوبية والشرقية حضروا الى صنعاء والى مرافقهم الإدارية ليُباشروا مهامهم فيها انطلاقاً من فهمهم ومبادئهم العميقة في مقاومة العدوان، والمساهمة  في تطبيع الحياة العامة في كل مؤسسات الدولة اليمنية العسكرية والمدنية ، وان السلوك السلبي لا يصنع شعباً مقاوماً ولن ولا يحترمه الآخرون.

إستطاعت مؤسسات أجهزة الأمن والجيش اليمني واللجان الشعبية طيلة عام ونصف تقريباً من ان تُطبِّع  الحياة المعيشية والأمنية في مدينة صنعاء بشكل جيد نسبياً في زمن العدوان ، وكذلك الحال في المحافظات التي تقع تحت إدارتها ومسؤولياتها بكفائه عالية ، وحس وطني عالي يستحقون عليها الشكر والتقدير والأمتنان من كل أفراد شعبنا اليمني .

ومُنذ عام تقريباً والمواطن اليمني يستمع بإستخفاف وإستهجان لحرب الإشاعات والدعايات والتهويل الإعلامي الصاخب المدعوم بسيل من الأكاذيب الصادرة عن قنوات فضائية تابعة لدول العدوان، وتوابعها، كل هذه القنوات تبث ليل نهار منذ عام تقريباً عن البدء لمعركة الحسم أي (حرب تحرير صنعاء) وتخليص العاصمة صنعاء من “مليشيات الحوثي – صالح”، هذه الحرب الأعلامية الموجهة أصبحت عبئ سياسي وأخلاقي ثقيل على دول العدوان ومرتزقتهم، لان مفردات الكذب ومصطلحات الدجل قد تكون لها فاعلية في التأثير على المشاهدين اذا أصابت خصمها في لمح البصر او لعدد من الأيام في غالب الأحيان، اما ترديد الأكذوبة المستمرة لأسابيع وأشهر، فهي تتحول الى ( نكتة بلهاء ) يستخف بها الطفل الصغير قبل الانسان الكبير، وهذا ما يحدث تماماً لإكذوبة (تحرير صنعاء) .

وهنا تذكرت قصيدة الشاعر الوطني الكبير / كريم الحنكي ، والتي أمتع بها جمهور واسع من اليمنيين من قناة اليمن من اليمن ، حينما ردد قصيدةً وطنيةً عصماء بعنوان : عاد صنعاء دونها كم من يمن

 (مَرّ عام الآن، شف وينِ الْوَهَنْ

لو تمرّ اعْوام  عَشْرَةْ بعد عامْ

عاد صنعا دونها كم من يمنْ

واسألوا ميدي ومحرمهَا الْحَرامْ) .

والشاعر يهجس بحدسه الخارق للازمان ليقول بان مدينة صنعاء محمية من الله العلي القدير أولاً، ومحمية من سواعد ابطال الجيش واللجان الشعبية وجموع اليمانيين الأشداء وسيدافعون عنها بكل شراسة كما هي جبهات مأرب وكرش والجوف وباب المندب وبيحان وميدي والضالع ومكيراس ، وبذلك يقدم لكم الدرس والنصيحة معاً فحسب ، لمن يفهم بطبيعة الحال .

ولا زال صديقي العدني يواصل حديثه معي مُسترسلاً ، وهو الذي التقيته في تلك الأمسيات الرمضانية المباركة ، ويقول انتم الان تعيشون في مدينة صنعاء في نعيم الله بهذه الدنيا لسببين إثنين هما :

السبب الاول :

هو هذا الأمن والأمان الذي يعيشه المواطن القاطن في صنعاء ، اما نحن في مدينة عدن وضواحيها فالشائع للجميع هو فقدان ذلك الأمن والأمل معاً ، فالموظف والعامل والطالب يخرج كل منهم الى مرفقه ولسان حال أهله يقول الله يعلم يعود او لا يعود ،  وحتى ان مَن يدعون بانهم يمثلون ( الحكومة الشرعية ) فهم لايستطيعون مجرد الخروج من قصر الرآسة ( بمنتجع المعاشيق )  في ضاحية كريتر ، مجرد الخروج الى ضواحي عدن للتنزه او لزيارة الأقارب ، إذاً أية حكومة شرعية هذه ؟؟؟  وأية  شرعية يتم حمايتها من قبل جنود سعوديين وإماراتيين وسودانيين ؟؟؟ ، اما من تسمي نفسها ( السلطة المحلية ) بعدن فهم مجرد أرجوزات متفرغة لتوافه الأمور كالحضور الشكلي بالاجتماعات وإلتقاط صور السلفي او اللعب بالشارع اوإتخاذ قرارات إرتجالية والتراجع عنها بعد أسابيع لأنهم ببساطة غير مؤهلين لإدارة مدن ودولة ، لأنهم خريجوا مدارس مليشاوية ليس إلا.

ويواصل صديقي العدني الحديث بالقول ، لا لا يا جماعه حد يراجع (  الجماعه في الرياض ، أو أصحاب الشرعية كما يقولون ) بان من يقبض على القرار عليه ان يفكر الف الف مره في هذا الوضع الغريب والشاذ الذي يسود المناطق  ( المحررة ) كما يتوهمون ، ومحاولة جادة ومخلصة في تصحيحه ، وان كلف ذلك القائمون عليه مصالحهم المادية والوظيفية ، لان الأوطان والشعوب  إبقى بمراتٍ عديدةٍ من كل تلك المصالح الصغيرة ، اذا ما قورنت بمصلحة الشعب اليمني والوطن اليمني العظيم ، وسيكتب التاريخ كل تلك الوقائع.

السبب الثاني :

هذا الوئام الإجتماعي والتعايش الإنساني الأخوي الملموس في المؤسسات الحكومية والخاصة في صنعاء بين المواطنيين اليمنيين عامة ، يتعايشون في الأحياء السكنية والشارع والأسواق والمساجد والمدارس والأندية ، ولا تسمع منهم كلمة واحدة تشيئ الى ظاهرة ومفردة العنصرية او الكراهية أو المناطقية النتنة بين القاطنين في هذه المدينة ، وتشعر انك في هذه المدينة حر طليق تعيش فضاء الحرية الشاسع كما خلقك الله ، إلا  ما يتصل بالجوانب الأمنية لضرورات ناموس الحرب ومقتضياته .

إما الوضع الأمني والخدمي في مدينة عدن فهو متدهور جداً ،وان ما ذهب اليه الكاتب المناضل / نجيب قحطان محمد الشعبي مؤخراً في إحدى مقالاته الرصينة الوازنة بشأن ما وصل اليه حال عدن و أهلها كان تعبيراً صادقاً ومعبراً ، حول ما آلت اليه الأوضاع الكارثية لمدينة عدن ولأهلها الكرام .

اما خلاصة القول ومن وحي المعايشة ان الله قد وهب صنعاء صفة الرمزية لليمن الكبير منذ فجر التاريخ ، وصبغ عليها الطمأنينة والسكينة وستر الحال ، وحباها الله بطقس لا شبيه له وهو الأجمل من بين الحواضر العربية كلها ، وخلق حولها رجال وقبائل أشداء يصعب كسرهم وهزيمتهم ( نستقي المعلومة من دروس التاريخ ) ، لان صلابة رجالها مستمدة من صلابة ورسوخ جبال اليمن وإوتادها ، وهذه لعمري  ميزة عصية لن تهزمها طائرات المُعتدين ولا جحافل مرتزقتهم المُستأجرين مهما دفعوا لهم ، وليس لدى أمراء الحرب بالسعودية وإمارات الخليج اي مخرج البته سوى ماسينتج من مخرجات حوار الكويت لحفظ ماء الوجه ، نسأل الله له النجاح ، والإبقاء على ما تبقى من بقايا أخوة عروبية بين شعوبنا ، وهذا خَيْرٌ لهم ولحكومتكم ( الشرعية ) القابعة بمنتجعات الرياض وابوظبي والقاهرة والأردن ، إما إصرارهم على الحرب القذرة قد تتسبب في قطيعة أبدية بين الإخوة العرب الأعداء الى ماشاء الله ، أو انها تتحول الى لعنة أبدية هي لعنة ( أبو يمن ) على كل دويلات الجزيرة ، كما تقول إسطورة لعنة الفراعنة على مخالفيها بالحكم ، والله أعلم .

رأي اليوم

زر الذهاب إلى الأعلى